السيد جعفر مرتضى العاملي
252
الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
إشارة عامة : ولذلك فإن بالإمكان الاستنتاج من ذلك : أن الظاهر : هو أن النبي « صلى الله عليه وآله » بعد أن لم يستطع إقناع أبي بكر بالكف عن المن عليه بأنه قد ترك أمواله وداره في مكة ، وأنه رافقه إلى الغار ، وتحمل الأخطار ، وحزن وجزع خوفاً من الأعداء ، بعد أن لم يستطع إقناعه بذلك اضطر « صلى الله عليه وآله » إلى أن يخبر الناس بحالة أبي بكر هذه ، علَّه يكف عن بعض ما كان يفعل ، وذلك كأسلوب اضطراري أخير من أساليب التربية والتوجيه ، لا سيما وأن ما يمن به عليه لم يكن أبو بكر متفرداً به ؛ فإن الكل كان قد هاجر وترك ماله ، وأرضه ووطنه ، والكل قد تحمل الأخطار والمتاعب ، وكثير منهم تعرض إلى أقسى أنواع التعذيب والتنكيل . وعن مقامه معه في الغار ، فإن الخطر على أمير المؤمنين كان أعظم من الخطر على أبي بكر ؛ فلماذا إذن هذا المن منه ، حتى عده النبي « صلى الله عليه وآله » أمنّ الناس عليه ؟ ! . رابعاً : وإذا كان أبو بكر - كما يقول الطوسي والمفيد - في أول أمره معلماً للأولاد ، ثم صار خياطاً ، ولم يكن قسمه إلا كواحد من المسلمين ، ولذا احتاج إلى مواساة الأنصار له . وكان أبوه صياداً ، ثم صار ينش الذباب ، وينادي على مائدة ابن جدعان بشبع بطنه ، وستر عورته ( 1 ) .
--> ( 1 ) تلخيص الشافي ج 3 ص 238 ، ودلائل الصدق ج 2 ص 130 ، والإفصاح ص 135 وراجع الغدير ج 8 ص 51 . ويشك المحقق السيد مهدي الروحاني في كون أبي بكر كان معلماً ، على اعتبار أن جمع الأطفال في المكتب وتعليمهم أمر مستحدث ، ولم يكن معهوداً في مكة في الجاهلية ويتساءل عن تلامذة أبي بكر من هم ، ولماذا لم يوجد في مكة سوى عدد ضئيل ممن كان يعرف القراءة والكتابة كما مر في أول الكتاب . بل لقد ذكر جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن : أنه لم يكن في مكة حين بعث النبي « صلى الله عليه وآله » سوى سبعة أشخاص يعرفون الكتابة .